وهبة الزحيلي

1902

التفسير الوسيط

سورة القصص مكّية إلا قوله عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ الآية 85 من السورة ] ، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى المدينة . افتتحت السورة بالأحرف الأبجدية المقطَّعة * ( طسم ) * ( 1 ) للتنبيه على إعجاز القرآن ، وتحدّي العرب بالإتيان بمثل القرآن الكريم ، ما دام مكوّنا من أحرف لغتهم التي يتفاخرون بأنهم فيها أساطين البيان ، وفرسان الفصاحة والبلاغة ، لذا لا نجد مثل هذه الحروف إلا متبوعة بالكلام عن آي القرآن المجيد . فهذه آيات من الكتاب الواضح الجلي ، الكاشف لحقائق الدين وأحكامه . وعبّر عن الآيات ب * ( تِلْكَ ) * وإن كانت إشارة للغائب والبعيد ، وكلمة ( هذه ) للحاضر والقريب ، فإنها أي ( ذلك ) في معنى القريب ، بسبب الثقة والتأكد من حصول ما جاء بعدها . إننا نتلو ونذكر لك أيها النّبي خبر موسى وفرعون ، حقّا وصدقا مطابقا للواقع ، كأنك تشاهد الواقعة ، من أجل تعريف قوم يصدّقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربّك ، فتطمئن به قلوبهم . وخصّ اللَّه المؤمنين في قوله تعالى : * ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * من حيث إنهم هم المنتفعون بذلك دون غيرهم ، لأنهم يصدّقون بالقرآن ، ويعلمون أنه من عند اللَّه تعالى ، فينتفعون بذلك ، أما من لم يؤمن ، فلا يصدّق أنّه حقّ ، وبالتالي لا ينتفع به . إن فرعون ملك مصر في عهد الفراعنة استعلى في أرضها واستكبر ، وبغى وطغى وتجبّر ، وقهر أهلها وبطش ، وجعل أهل مصر فرقا وأحزابا مختلفة ، وسخّر كل طائفة في مصلحة عمرانية أو زراعية أو غيرها ، يجعل جماعة منهم أذلَّة خدما مقهورين ، وهم بنو إسرائيل ، يستأصل بالذّبح أبناءهم الذكور ، ويبقي إناثهم أحياء ، إهانة لهم واحتقارا ، إنه كان من المفسدين في أرض مصر وملكه ، بالعمل والمعاصي والاستكبار . وأراد اللَّه تعالى إنصاف الضعيف وعقاب المستكبر ، فأنعم اللَّه على المستضعفين المؤمنين برسالة موسى عليه السّلام ، وخلَّصهم من بأسه ، وأنقذهم من ظلمه ومكره .